النويري
284
نهاية الأرب في فنون الأدب
التربية والإحسان إليه ، ويقبل التأديب ، وربّما ربّى في حانوت السّمّان « 1 » والجزّار وفى الدّور بين الدّجاج والحمام وغير ذلك من المطاعم التي يحبّها الهرّ ويأكلها فلا يتعرّض لها بفساد ، ولا يأكل منها ما لم يطعمه ، وربّما حفظها من غيره ، وقاتل دونها ، مع ما فيه من الافتراس والاختلاس ؛ وفى طبع الهرّ وعادته أنّه إذا أطعم شيئا أكله في موضعه ولم يهرب ، وإذا خطفه أو سرقه هرب به ، ولا يقف إلَّا أن يأمن على نفسه ؛ وفى بعضها من الجراءة ما يقتل الثعبان والعقرب ؛ وإذا أرادت الهرّة ما يريد صاحب الغائط أتت موضع تراب في زاوية من زوايا الدّار ، فتبحث حتّى تجعل لها حفرة ، ثم تدفن فيها ما تلقيه ، وتغطَّيه من ذلك التراب ، ثم تشمّ أعلى التراب ، فإن وجدت رائحة زادت عليه ترابا حتى تعلم أنّها أخفت المرئىّ والمشموم ، فإذا لم تجد ترابا خمشت وجه الأرض ، وزعم بعض الأطبّاء أنّ ستر الهرّة لذلك لحدّة رائحته ، فإنّ الفأرة إذا شمّته نفرت منه إلى منقطع تلك الرائحة ؛ وهو يقبل التعليم ويؤدّب حتى يألف الفأر مع ما بينهما من شدّة العداوة ، فيحصل بينهما من المؤالفة الظاهرة والملاءمة ما إنّ الفأر يصعد على ظهر الهرّ ، وربّما عضّ أذنه ، فيصرخ الهرّ ولا يأكله ، ولا يخدشه لخوفه من مؤدّبه ، فإذا أشار إليه مؤدّبه بأكله وثب عليه على عادته وأكله ، وهذا أمر مشاهد غير منكور يفعله الطَّرقيّة « 2 » ويفرّجون « 3 » الناس عليه « 4 » ؛
--> « 1 » كذا ورد هذا اللفظ في كلا الأصلين ، والمعنى يستقيم عليه ، كما أنه من المحتمل أيضا أن يكون محرّفا عن لفظ « السماك » فان حب الهرّ للسمك وحرصه على طلبه معروفان . « 2 » الطرقية : نسبة إلى الطرق ، يريد الذين يلعبون في الطرق ويأتون بأمور غريبة تعجب الناس فيجتمعون عليهم . « 3 » استعمال التفريج بمعنى اجتماع الناس على اللاعب ومشاهدة ما يأتي به من الأمور العجيبة كما هنا استعمال شائع في كلام العامة ؛ ولم نجده فيما لدينا من كتب اللغة على كثرتها ، كما أننا لم نجده فيما بين أيدينا من الكتب المؤلفة في الألفاظ الدخيلة ؛ ولعله أخذ من تفريج الهم ، فان في مشاهدة ذلك تفريجا للهم وتسلية للنفس . « 4 » ضمن « يفرّجون » معنى « يجمعون » فسوّغ له هذا التضمين تعديته ب « على » .